د هاني أبو الفتوح الخبير المصرفي يكتب : البورصة تصعد..والاقتصاد يواجه كلفة التوتر
أغلق خام برنت تعاملات نهاية يوليو عند نحو 90.12 دولار للبرميل بعد مكاسب شهرية قاربت 24% بينما واصلت مؤشرات البورصة المصرية صعودها. هذه المفارقة تلخص المشهد الاقتصادي في الشرق الأوسط. توتر يرفع تكلفة الطاقة والشحن والتأمين وسوق أسهم محلية تبدو أكثر تماسكًا من كثير من مؤشرات الاقتصاد الحقيقي. الموضوع يتعلق بالطريقة التي تعيد بها هذه المخاطر توزيع الخسائر والمكاسب بين الدول والقطاعات والمستثمرين.
شبكة متداخلة من المخاطر
مناطق التوتر الحالية لا تتحرك في مسار سياسي منفصل عن الاقتصاد. الحرب المرتبطة بإيران والخليج واضطراب المرور في مضيق هرمز وتهديدات الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر إلى جانب الأزمات الممتدة في غزة والضفة الغربية والسودان تضع المنطقة أمام شبكة متداخلة من المخاطر. أي تصعيد في أحد هذه المسارات ينتقل بسرعة إلى سوق الطاقة ثم إلى تكلفة النقل والإنتاج قبل أن يصل إلى الأسعار والتمويل والاستثمار وثقة المستهلك.
مضيق هرمز يوضح حجم الحساسية
خلال العام الماضي مر عبره نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات البترولية بما يعادل قرابة 25% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا. هذه ليست مجرد أرقام عن طريق ملاحي لأنها تعبير عن درجة اعتماد الاقتصاد العالمي على ممر ضيق تحيط به توترات سياسية وأمنية. خطوط الأنابيب البديلة لا تملك طاقة تكفي لتعويض إغلاق ممتد. لذلك لا يحتاج السوق إلى توقف كامل لكي يرتفع القلق، إذ يكفي أن تزيد احتمالات التعطل حتى تبدأ الأسعار وتكلفة التأمين في التحرك.
فاتورة أعلى وضغط أكبر
ارتفاع النفط يمنح بعض الدول المصدرة إيرادات إضافية. لكن الصورة ليست بهذه البساطة. الدولة التي ترتفع قيمة صادراتها قد تخسر جزءًا من الكميات المصدرة إذا تعطلت الموانئ أو الملاحة وقد تضطر إلى رفع الإنفاق الأمني أو تأجيل استثمارات غير عاجلة. في المقابل، تواجه الدول المستوردة للطاقة فاتورة أعلى وضغط أكبر على العملة والموازنة والأسعار. الفارق الحقيقي يصنعه قدرة الدولة على الحفاظ على تدفقات التصدير ومرونة ماليتها العامة وحجم اعتمادها على الواردات.
التجارة البحرية هي الوجهة الثانية للصدمة
عندما تتجنب السفن البحر الأحمر لا يقتصر الضرر على شركات الملاحة لأن مدة الرحلات تطول كما تزداد تكلفة الوقود والتأمين وتتأخر مدخلات الإنتاج . بالتالي تنتقل التكلفة إلى المصانع والتجار والمستهلك. مؤشر الشحن العالمي بلغ في نهاية يوليو نحو 4,255 دولار للحاوية وهو مستوى يكشف أن الاضطرابات البحرية تحولت من مشكلة لوجستية إلى عنصر تضخمي. وقد يبدو الأثر بطيء في البداية، لكنه يتراكم عبر سلاسل الإمداد حتى يظهر في سعر السلع.
مصر فى قلب المعادلة
هنا تدخل مصر إلى قلب المعادلة. قناة السويس تمثل مورد هام للنقد الأجنبي . وتعكس أيضًا مكانة مصر داخل حركة التجارة العالمية. عبر القناة خلال العام الماضي نحو 12,758 سفينة، وهو عدد بعيد عن مستويات ما قبل أزمة البحر الأحمر . ومع ذلك ارتفعت الإيرادات خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية الأخيرة إلى نحو 3.2 مليارات دولار في تحسن نسبي من قاعدة منخفضة. هذا التحسن مهم لكنه يظل مرتبطًا بعودة الملاحة الطبيعية وهي عودة لا تصنعها قرارات داخلية وحدها.
امتصاص الضغوط
السياحة والتحويلات تساعدان على امتصاص جانب من الضغوط. بلغت الإيرادات السياحية خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية نحو 14.4 مليار دولار بينما حافظت التحويلات على زخم قوي. هذه التدفقات تمنح الاقتصاد مساحة حركة وتدعم الاحتياطي النقدي الأجنبي. لكنها لا تلغي اتساع عجز التجارة البترولية أو ارتفاع تكلفة التمويل. كل دولار إضافي يدخل من السياحة أو التحويلات قد يجد في الجهة الأخرى فاتورة أكبر لواردات الطاقة والسلع الوسيطة.
البورصة المصرية أكثر إيجابية
اللافت أن البورصة المصرية تحركت في اتجاه أكثر إيجابية. مؤشر الأسهم القيادية ارتفع منذ بداية العام بنحو 27.8% بينما سجلت الأسهم الصغيرة والمتوسطة مكاسب أكبر. قراءة هذا الصعود باعتباره شهادة كاملة على قوة الاقتصاد ستكون مبالغة. السوق قد يرتفع لأن المستثمر يبحث عن أصل يحفظ قيمة أمواله أمام التضخم وتراجع العملة أو لأن تقييمات الشركات أصبحت منخفضة بالدولار أو لأن بعض الشركات تحقق إيرادات بالعملة الأجنبية وتملك أصول حقيقية ترتفع قيمتها الاسمية.
هذه النقطة تستحق مزيد من القراءة المتأنية. البورصة لا تكذب لكنها لا تقول الحقيقة كلها. المؤشر يقيس حركة أسعار أسهم محددة ولا يقيس مباشرة قدرة الأسر على الشراء ولا تكلفة التمويل على المصانع ولا حجم الضغط الواقع على الموازنة. لذلك قد يرتفع السوق بينما يبقى الاقتصاد الحقيقي تحت ضغط. الفارق هنا في التوقيت ومن يستفيد، وليس في انفصال كامل بين الاثنين.
توزيع المكاسب
داخل السوق نفسه لا تتوزع المكاسب بالتساوي. الشركات المصدرة وقطاعات الأسمدة والبتروكيماويات وبعض شركات الأغذية والأدوية والاتصالات تميل إلى امتلاك قدرة أفضل على تمرير التضخم أو الاستفادة من الإيرادات الأجنبية. في الجهة الأخرى تواجه الشركات كثيفة استهلاك الطاقة والمستوردون وشركات النقل والسياحة عند التصعيد ضغوط أعلى. العقارات تظل حالة مزدوجة فهي أداة للتحوط من التضخم لكنها تتأثر أيضًا بارتفاع مواد البناء والفائدة وتكلفة التمويل.
سلوك المستثمر المحلي يعكس هذا التباين. يميل إلى الجمع بين الذهب والعملات الأجنبية والأسهم التي تملك أصولًا إنتاجية أو تحقق إيرادات دولارية. هذه ليست موجة تفاؤل خالصة وإنما إدارة للمخاطر في بيئة يزداد فيها القلق من التضخم وتقلب سعر الصرف. المستثمر الأجنبي أكثر حساسية للمخاطر الجيوسياسية وسرعة الحركة بينما يملك المستثمر المحلي معرفة أكبر بالسوق لكنه يتحمل أيضًا تبعات التضخم داخل حياته اليومية.
التصعيد يحدد المسار
المسار المقبل يتوقف على درجة التصعيد. احتواء التوتر وعودة الملاحة الطبيعية سيخفضان كلفة الشحن والتأمين ويدعمان إيرادات القناة ويمنحان السياسة الاقتصادية مساحة أوسع. استمرار التوتر المحدود سيبقي الاقتصاد المصري قادرًا على الصمود مع بقاء الضغوط على الطاقة والأسعار والتمويل. أما التصعيد الواسع فسيرفع فاتورة الواردات ويضغط على السياحة والاستثمار وتدفقات المحافظ وقد يدفع البورصة إلى هبوط أولي قبل أن تعود السيولة إلى الأسهم الدفاعية.
مصر لا تقف بلا أدوات لكنها لا تعمل في فراغ جغرافي. قوتها الحقيقية بقدرتها على خفض الاعتماد على الواردات تقاس بالإنتاج والتصدير وحماية موارد النقد الأجنبي وتقليل أثر الصدمات على المواطن. السوق قد يمنح إشارات ثقة غير أن الاختبار الأهم يظل في الاقتصاد الحقيقي: هل تتحول هذه الثقة إلى إنتاج واستثمار وفرص عمل أم تبقى مجرد ارتفاعات على شاشة التداول.



