د.عزة السنوسي استشاري التخاطب وتعديل السلوك تكتب.. (كبسولات في تربية طفلك)

*التوحد ليس مرضاً عضوياً* لكنه يعرف باضطراب طيف التوحد (ASD) Autism spectrum disorder هو عبارة عن حالة سلوكية تؤثر بشكل رئيسي على تواصل الطفل وتفاعله مع الآخرين، وتختلف حدته وأعراضه من طفل لآخر، ولهذا يُطلق عليه “طيف”.
وقد يتمتع طفل التوحد بذكاء عال أو متوسط أو أقل.
بعض الأعراض و الصعوبات الرئيسية التي يُعاني منها مرضى التوحد هي بصورة شبه مؤكدة صعوبات في مجالات تطورية أساسية وهي كالآتي:
أولاً: التواصل والتفاعل الاجتماعي.
ثانياً:اللغة والكلام
ثالثاً: السلوكيات.
رابعاً: الاضطرابات الحسية .
أولاً: التواصل والتفاعل الاجتماعي نجد أن طفل التوحد يُعاني من الآتي:
– صعوبة في التواصل البصري (الاتصال بالعين).
– عدم الاستجابة عند مناداته باسمه.
* قلة الاستجابة وربما إنعدامها للمثيرات الاجتماعية.
* عدم الانتباه لمشاعر الآخرين أو صعوبة فهمها.
* رفض العناق و التقبيل أو ينكمش على نفسه.
ثانياً: اللغة والكلام نجد أن الطفل يُعاني من الآتي:
– تأخر في النطق أو عدم القدرة على الكلام.
– همهمة أو لغة غير مفهومة (رطانة) .
– تكرار الكلمات والعبارات (المصاداة أو الاكولاليا ).
ثالثاً: السلوكيات النمطية والمتكررة يُعاني طفل التوحد من الآتي:
– القيام بحركات جسدية متكررة، مثل رفرفة اليدين، الدوران، أو القفز .
– التركيز المفرط على أجزاء معينة من الأشياء (مثل عجلات اللعبة أو المروحة أو حركة القطار أو الحركة المستمرة).
– اتباع إجراءات روتينية محددة والشعور بالانزعاج الشديد عند حدوث أبسط التغييرات.
رابعاً: الاضطرابات الحسية يُعاني طفل التوحد من الآتي :
– حساسية غير عادية للمدخلات الحسية (الأصوات، الأضواء، الملمس و الروائح).
– مشكلة كبيرة بالحواس الخمسة الأساسية.
و لأن أغلب صعوبات ومشكلات طفل التوحد سلوكية فالعلاج السلوكي والتربوي هو الأساس، ولهذا فالمعالج الرئيس لطيف التوحد هو المتخصص ذو الخبرة العالية في هذه المجالات السابقة مجتمعة بشكل متكامل مع الأطباء المختصين فيما يتعلق بالاضطرابات الحسية حسب طبيعتها، و بالجمع ما بين هذه المجالات بعض الحالات تتمكن الشفاء بأمر الله حتى في حالات التوحد شديدة التعقيد و المتأخرة ذهنيا ويمكنها أن تمارس حياتها بشكل طبيعي تماما أو شبه طبيعي حسب طبيعة الحالة و قدرتها الذهنية.
وما تم الاتفاق عليه عملياً وعلمياً أن العلاج الدوائي وحده لا يكفي في كل حالات التوحد، وكذا العلاج السلوكي و التربوي و الارشادي وحده لا يكفي في بعض الحالات الأخرى من أطفال التوحد، ومن يمارس علاج الحالة لابد وأن يكون المتخصص الشامل بنفسه هذا أفضل وأسرع في الشفاء بإذن الله.
وبعيداً عن ما يحدث في المراكز والأكاديميات والأماكن الغريبة التي تدعي أصحابها بأنهم متخصصين أو مهتمين بذوي الاحتياجات الخاصة والطفولة، يجب أن يكون جلسات طفل التوحد فردية في البداية ثم فردي و دمج مع الأطفال العاديين، لابد من تعاون الأسرة بشكل كامل فهي الأساس، فكلما كان الطفل أصغر سناً كلما كان التحسن أسرع و أعلى.
لم يعد التوحد يُنظر إليه اليوم كاضطراب واحد له سبب واحد ومسار واحد، فقد كشفت الأبحاث الحديثة أن الصورة السلوكية التي نراها عند الأطفال التوحيديين قد تكون نتيجة مسارات بيولوجية مختلفة تمامًا، يجتمع بعضها في طفل واحد أو ينفصل كلٌ منها في حالة خاصة، هذا التوسع في الفهم لا يغيّر التشخيص فقط، بل يغيّر طريقة التدخل، ويجعل العلاج أكثر دقة وواقعية، لأن كل نمط بيولوجي يملك آلياته الخاصة داخل الدماغ والجهاز المناعي والجهاز الهضمي والعمليات الأيضية.
وهناك سبعة أنماط سلوكية من التوحد تتمثل في الآتي:
١– نقص الفولات الدماغي (Cerebral Folate Deficiency – CFD) يُعد من أكثر الأنماط شيوعًا في الطيف، ويحدث عندما يعجز الدماغ عن إدخال الفولات النشط عبر الحاجز الدماغي رغم وجوده في الدم، السبب غالبًا وجود أجسام مضادة تهاجم مستقبلات الفولات وتمنع انتقاله، وأكثر أعراضه تأخّر لغوي واضح، حساسية حسّية مرتفعة، اضطرابات نوم، لكنه يبقى أحد الأنماط الأكثر قابلية للتحسن عند التدخل المبكر.
٢– اضطرابات الميثايل وطفرات MTHFR الميثايل عملية حيوية أساسية لتنظيم الجينات، وإنتاج السيروتونين والدوبامين، وإزالة السموم، وأكثر أعراضه هي تهيّج سريع، و قلق وحساسية مفرطة، ضعف في الكلام التعبيري، واستجابة جيدة لمكمّلات الميثايل الداعمة، هذا النمط متداخل بقوة مع CFD، وغالبًا يجتمعان في طفل واحد.
٣– الالتهاب الدماغي المناعي (Neuroinflammation) وهو حالة تنشيط مناعي داخل الدماغ، تظهر فيها، وأكثر اعراضه تقلبات سلوكية حادة، وسلوك قهري ، وقلق مفاجئ، وتدهور مؤقت في المهارات، هذا النمط يحتاج تقييمًا خاصًا لأنه يختلف جذريًا في التعامل عنه في باقي الأنماط.
٤– خلل الميتوكوندريا الأولي: الميتوكوندريا هي مصدر الطاقة في كل خلية، وعندما يحدث خلل في إنتاج الطاقة، يتأثر الدماغ والعضلات والجهاز الهضمي، وأكثر أعراضه تعب سريع، وضعف في التحمّل، وتأخّر حركي، واضطرابات هضمية، وحساسية للحرارة أو المرض، والتدخل هنا يعتمد على دعم الطاقة وتحسين كفاءة الخلايا.
٥– التوحد المرتبط بالجهاز الهضمي يرتبط مباشرة بالدماغ عبر محور Gut–Brain، وأي خلل في بكتيريا الأمعاء أو التهاباتها يمكن أن يؤدي إلى أعراض سلوكية، وأكثر أعراضه اضطراب البكتيريا النافعة، وتسرّب الأمعاء، وحساسية غذائية، والتهابات هضمية، إمساك أو إسهال مزمن، وبكاء غير مفسّر، وانتفاخ البطن، ونوبات غضب مرتبطة بالطعام، تحسن واضح بعد تعديل الغذاء.
٦– اضطرابات الجين الواحد (Single-Gene Mutations)
تُعد من الأنماط الواضحة لأن الطفرة الجينية تكون معروفة ومحددة.
أهمها:Fragile X ، Rett
يظهر هذا النوع غالبًا بملامح جسدية أو عصبية مرافقة، وقد يحتاج خطة علاجية مختلفة عن باقي الأنماط.
٧– الأنواع غير المصنّفة أو متعددة العوامل تمثل الحالات التي لا يظهر فيها سبب واضح رغم وجود أعراض التوحد، وبعض الأطفال ضمن هذه الفئة يدمجون أكثر من نمط، وهو ما يفسّر اختلاف الاستجابة بين طفل وأخر .
وجيز القول أن التوحد ليس اضطرابًا واحدًا، إنما هو مجموعة من المسارات البيولوجية التي تلتقي عند نقطة واحدة عبارة عن صورة سلوكية مشتركة، لكن خلف هذه الصورة توجد أسباب مختلفة، ولذلك تختلف طرق التدخل، وتختلف استجابة الأطفال، الفهم البيولوجي لا يغيّر التشخيص، لكنه يغيّر طريقة التعامل مع الطفل، ويمنح الأهل القدرة على رؤية ما وراء السلوك، وفهم الاحتياجات الحقيقية لأبنائهم، واتخاذ قرارات علاجية أدق وأكثر فعالية.
موعدنا في المقال القادم وعنوانه مفيش طفل بيسمع الكلام وفي بيتنا طفل (عنيد).
