مقالات 

د.عزة السنوسي استشاري التخاطب وتعديل السلوك تكتب.. كبسولات في تربية طفلك

أضف النص الخاص بالعنوان هنا

*لايوجد طفل يسمع الكلام…الطفل مش عنيد الطفل محتاج يتفهم…!!*

العِناد عند الأطفال بفهمٌ علمي عميق وأفضل طرق التعامل معه، حيث يُعدّ العناد من أكثر السلوكيات التي تُربك الأهل وتضعهم في صراع يومي مع أطفالهم، ورغم اعتقاد البعض أن “الطفل عنيد بطبعه”، فإن الدراسات الحديثة في علم النفس وتربية الطفل تؤكد أن العناد سلوك طبيعي في مراحل معينة من النمو، وأن طريقة تعامل الأهل هي التي تُحدد إذا كان العِناد سيظل سلوكًا عابرًا أو يتحول إلى مشكلة سلوكية.

*فما هو العناد عند الأطفال؟*

هو محاولة واعية أو غير واعية من الطفل لإثبات استقلاليته وقدرته على اتخاذ قراره بنفسه، ويظهر عادة بين عمر السنتين والسبع سنوات، وهي مرحلة ينمو فيها الدماغ بسرعة لكن مراكز التحكم في الانفعالات (Prefrontal Cortex) لم تصل بعد للنضج الكامل، بمعنى أن الطفل لا “يعاند”… الطفل لسه مش بيعرف ينظم نفسه أو يعبر عن رغباته بشكل ناضج.

*الأسباب العلمية وراء العناد عند الأطفال:*

1) الرغبة في الاستقلال وإثبات الذات، عندما يمنع الأهل الطفل من اتخاذ أي قرار، يلجأ الطفل للعناد كطريقة لإثبات وجوده، فالطفل يريد أن يشعر بأن له رأيًا يُحترم.

٢) عدم اكتمال نضج الدماغ فجزء التحكم في الانفعالات لم يكتمل، لذلك التعبير عند الأطفال يكون بالسلوك لا بالكلام.

٣) الأساليب التربوية الخاطئة مثل: الصراخ، التهديد، العقاب المستمر، المقارنة كلها تزيد من مقاومة الطفل وتغذي عنده “معركة القوة”.

٤) الاحتياجات غير المُلبّاة مثل: الجوع – التعب – نقص الانتباه – الاحتياج للاحتضان، فعندما لا يستطيع الطفل التعبير لفظيًا، يظهر السلوك العنيد كنداء صامت.

٥) التشتت وعدم وضوح القواعد فعندما تختلف ردود الأهل أو الأوامر تتغير باستمرار، فالطفل يتشتت ويبدأ يرفض معظم الطلبات.

٦) تقليد سلوك الأهل فالأطفال دائما مرآة للأهل، لو الأب والأم عنيدين، أو في بينهم صراع مستمر، الطفل يتعلم ذلك تلقائيًا.

*وهناك أخطاء شائعة يقوم بها الأهل وتزيد العناد عند الأطفال مثل:*

١) كثرة الأوامر: الأوامر المتلاحقة تُشعر الطفل بأنه محاصر دائماً، فيرد بالرفض ويعند أكثر.

٢) الصراخ والعقاب القاسي: علميًا الصراخ يرفع هرمون الكورتيزول في جسم الطفل، وبالتالي يعجز عن الاستجابة الهادئة ويصبح أكثر مقاومة وعناد.

٣) عدم احترام مشاعر الطفل:

مثل “مافيش حاجة، ده دلع”، هذه الجملة تقتل التواصل العاطفي وتحوّل الغضب إلى عناد.

٤) التحدي المباشر: مثل “جرب لو تقدر” هذا الأسلوب يخلق صراع قوة لا يحتاجه الطفل ولا يفيده.

٥) عدم الثبات في التربية: التذبذب والتردد في التربية فمثلا في يوم نعاقب على السلوك وفي يوم نتجاهل نفس السلوك!! وهذا يجعل العناد عند الطفل وسيلة للحصول على ما يريد.

٦) السيطرة المبالغ فيها: مثل منع الطفل من اكتشاف العالم وتحمل مسؤوليات بسيطة يحوّله إلى طفل يرفض كل شيء.

السؤال الذي يجب على كل أب وأم اتقان إجابته هو (هل يوجد طفل “يسمع الكلام”؟)

الحقيقة العلمية في الدراسات التربوية تؤكد أنه لا يوجد شيء اسمه طفل يسمع الكلام طول الوقت، ولكن يوجد طفل يستجيب عندما يشعر بالأمان والاحترام والاتصال الوجداني، فالأطفال ليست مهمتهم الطاعة المطلقة بل التعلم والخطأ والتجربة، فالطفل يستجيب عندما نتحدث معه بلغة واضحة، ونعطيه خيارات، ونسمح له بالتجربة، ونقوده لا أن نتحكم فيه، ونكون قدوة هادئة ومتزنة.

ويرفض عندما نعاقبه بشدة، وننتهك مشاعره، ونجعله يشعر بالعجز أو الإهانة، ونصرخ أو نقارنه بغيره، نفرض أوامر بلا تفسير أو اختيار.

ونخلص مما سبق أن طريقة تعامل الأهل هي ما يصنع السلوك، وليس “طبع الطفل”.

*وتوجد طرق علمية للتعامل الصحيح مع العناد عند الأطفال منها الآتي:*

أولاً: استخدموا لغة الاختيارات بدل لغة الأوامر مثل “تحب نلبس الجزمة الاول ولا الجاكيت؟”

ثانياً: طبّقوا قاعدة: الاتصال قبل التصحيحConnect before correct افهموا مشاعر الأطفال ثم وقاموا بتوجيههم.

ثالثاً: استخدموا الحزم الهادئ: الحزم = وضوح + حب + ثبات، مثل “أنا فاهم إنك زعلان… لكن مش هنضرب….تعال نحلها سوا”.

رابعاً: قللوا كلمة “لأ”: استخدامها يكون في الضروري فقط… علشان تفضل ليها قيمة وتأثير.

خامساً: اعتمدوا على الروتين: الروتين يُقلل العناد لأنه يقلل المفاجآت والضغط.

سادساً: شجعوا الأطفال على الاختيار وتحمل المسؤولية، كلما شعر الطفل أنه “مالك جزء من حياته” يقل اعتماده على الرفض.

سابعاً: تجاهلوا السلوكيات البسيطة

ليس كل شيء يستحق معركة، اختاروا معارككم بحكمة مع اطفالكم، فمن غير المنطقي الرد على كافة السلوكيات والتعليق عليها، اسمحوا لهم ينفسوا عن مشاعرهم بالغضب تارة وبالعند تارة أخرى، فالكبت غير مستحب.

ثامناً: أمدحوا السلوك الإيجابي فور حدوثه: الطفل يُعيد السلوك الذي يحصل به على اهتمام إيجابي.

ف خلاصة مقالنا العناد ليس مشكلة سلوكية في حد ذاتها، بل مرحلة من مراحل نمو العقل، وطريقة التعامل هي ما تحدد هل يتحول لسلوك صحي أم مشكلة سلوكية طويلة، فالطفل مش عنيد، الطفل محتاج يَتفهّم، الطفل مش بيقاوم، الطفل بيحاول يثبت نفسه، الطفل مش “مش بيسمع الكلام”، الطفل بيدور على علاقة آمنة يتفهم فيها ويتشاف.

ومازال البعض منا أطفالٍ رغم ما مر من العمر اعزائي القراء.

موعدنا في المقال القادم عن كيفية التعامل مع تُعود الطفل على السب والتلفظ بألفاظ سيئة على الرغم من أن بيئته لا تنم عن ذلك بشكل جذري.