مقالات 

د.هاني أبو الفتوح يكتب عن تحويلات المصريين بالخارج: هل الأرقام تكفي لإعادة الثقة؟

أضف النص الخاص بالعنوان هنا

حين أعلن البنك المركزي المصري ، وصول تحويلات المصريين بالخارج ، إلى رقم قياسي تخطى 41 مليار دولار، لم يكن الرقم مجرد سطر في بيان صحفي أو خانة في جدول إحصائي – إنما كان في جوهره شهادة ثقة موقعة بعرق الملايين خلف الحدود. واللافت أن هذه القفزة جاءت بعد فترة تراجع حاد في 2022/2023 حين فقدت السوق الرسمية جزءًا من التدفقات لصالح السوق الموازية، ما يعكس أن استعادة الثقة كانت العامل الحاسم في عودة الدولارات إلى القنوات المصرفية.

هذا التدفق الهائل – الذي يمثل شريان الحياة الرئيسي للنقد الأجنبي – يطرح المفارقة الأزلية: لماذا تبدو الأرقام على الورق في ذروة عنفوانها، بينما يظل المغترب في حالة بحث دائم عن الأمان الذي يحميه من تقلبات القرارات المفاجئة؟

نحن اليوم أمام مشهد مزدحم بالدلالات. فمن ناحية، هناك طفرة غير مسبوقة أعادت الثقة في الجهاز المصرفي بعد القضاء على السوق الموازية، ومن ناحية أخرى، نجد تحركاً برلمانياً عبر مشروع قانون ضمانات وحوافز تحويلات المصريين بالخارج الذي قدمه النائب رضا عبد السلام عضو مجلس النواب ، هذا المشروع يحاول الإجابة على السؤال الصعب: كيف نتحول من منطق الجباية الصامتة إلى منطق المزايا المتبادلة؟

مشروع القانون يطرح فكرة النقاط التفاضلية، وهي محاولة لمأسسة العلاقة بين ما يمنحه المغترب لبلده وبين ما يحصل عليه من امتيازات. لكن هنا تبرز الفجوة بين الفكر التشريعي والواقع المعيشي. فربط الحوافز بحجم التحويل قد يخلق نوعاً من الطبقية الاستثمارية، حيث يُكافأ الميسور ويُهمش العامل البسيط الذي قد لا يملك ترف التحويلات الضخمة لكنه يمثل الكتلة الحرجة من القوى البشرية في الخارج.

المغترب لا يهمه عدد النقاط، يهمه ما يعود عليه فعليًا بإعفاءات وتسهيلات بسيطة. فكرة إنشاء شركة تطرح أسهمها في البورصة لتحفيز الاستثمار خطوة جيدة لتحويل المدخرات إلى مشاريع منتجة، لكنها تحتاج أولًا ضمانات قانونية قوية تطمئن المغترب على أمواله، بعيدًا عن الرسوم المتغيرة التي طالت حتى الهواتف الشخصية. أرى أن المعادلة الصعبة التي تواجهها الحكومة الآن ليست في كيفية جذب الدولار – فالأرقام تثبت أن المغترب لم يبخل يوماً – بل في كيفية صياغة عقد اجتماعي جديد ينهي حالة التوجس. إن إنشاء هيئة وطنية تتبع رئاسة الوزراء مباشرة هو اعتراف متأخر بأن ملف المغتربين أكبر من أن يُدار عبر مكاتب فرعية، فهو ملف أمن قومي بامتياز.

المغترب عندما يرى إلغاء إعفاءات بسيطة تخص احتياجاته، سيشك في أي وعود كبيرة. لذلك يجب أن تأتي الإعفاءات الواضحة أولًا، قبل الحديث عن تخفيضات بشروط. المطلوب بيئة استثمارية تجعله يشعر أنه شريك حقيقي، لا مجرد مصدر أموال وقت الأزمات.

السؤال الآن: هل نستطيع الانتقال من الاحتفاء بالأرقام إلى الاستثمار في الإنسان؟ الواقع يقول إن حب الوطن يجب أن يتحول إلى مكسب حقيقي للطرفين، وإلا ستظل الفجوة كبيرة بين التقارير الرسمية وما يشعر به المواطن في الغربة. الأرقام سهلة، لكن إرضاء الناس هو المعادلة الصعبة.