مقالات 

د.أحمد شندي يكتب:عرش العالم بين الدولار والتنين والدب

أضف النص الخاص بالعنوان هنا

ما يحدث في محيط إيران اليوم – سواء كان تصعيدًا عسكريًا مباشرًا أو حربًا بالوكالة أو ضغوطًا اقتصادية غير مسبوقة – لا يمكن قراءته باعتباره حدثًا إقليميًا معزولًا، بل هو فصل جديد من صراع العروش العالمي بين الولايات المتحدة والصين وروسيا.

إيران هنا ليست الهدف فقط، بل هي ساحة الاختبار.

 

منذ عام 1979، شكّلت الجمهورية الإسلامية نموذجًا سياسيًا مختلفًا قلب معادلات الشرق الأوسط، وانتقلت من دولة كانت تُعرف بـ”شرطي الخليج” إلى دولة مشروع أيديولوجي عابر للحدود. هذا التحول جعلها في مواجهة دائمة مع واشنطن وتل أبيب، وفي الوقت نفسه حليفًا موضوعيًا لموسكو وبكين في معركة كسر الهيمنة الغربية.

 

الضربات لا تُسقط الأنظمة

التاريخ الحديث يقول إن القصف الجوي مهما كان دقيقًا لا يُسقط نظامًا سياسيًا متجذرًا.

العراق سقط بالغزو البري، وأفغانستان احتاجت عقدين من الحرب، وكلا التجربتين انتهتا بكلفة استراتيجية هائلة للولايات المتحدة.

 

لذلك فإن الحديث عن “تغيير النظام” في طهران عبر القوة العسكرية فقط يبدو أقرب إلى الضغط لإعادة تشكيل السلوك وليس إسقاط الدولة.

 

واشنطن… إدارة الصراع لا حسمه

الولايات المتحدة تدرك أن إسقاط الأنظمة أسهل من إدارة ما بعدها. تجارب العراق وأفغانستان ما زالت حاضرة في الذاكرة الاستراتيجية الأمريكية. لذلك تبدو واشنطن حريصة على ممارسة أقصى درجات الضغط – سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا – دون الانزلاق إلى تدخل بري مباشر قد يتحول إلى مستنقع جديد، خاصة في ظل حسابات انتخابية داخلية وضغوط حزبية متصاعدة.

 

الاستراتيجية الأمريكية الحالية تقوم على معادلة دقيقة:

• إضعاف إيران اقتصاديًا

• تحجيم نفوذها الإقليمي

• تجنب حرب شاملة

 

فالبيت الأبيض يدرك أن أي تدخل بري سيعني مستنقعًا جديدًا، خصوصًا في ظل ضغوط داخلية وانتخابات تلوح في الأفق.

 

إسرائيل… الذراع المتقدمة

تل أبيب ترى أن تحييد إيران هو الضمانة الوحيدة لأمنها الاستراتيجي،

لكنها تعلم أيضًا أن الفوضى داخل إيران قد تُنتج تهديدات أخطر من النظام الحالي.

لذلك تتحرك وفق سياسة الضربات المحدودة دون إسقاط كامل.

 

موسكو وبكين… منع الانهيار لا التصعيد

روسيا ترى في أي تصعيد فرصة لتشتيت الضغط الغربي عنها، بينما تنظر الصين إلى إيران بوصفها عقدة طاقة وممرًا استراتيجيًا في مشروع “الحزام والطريق”. كلاهما لا يريد سقوط النظام الإيراني، لكنهما أيضًا لا يسعيان إلى مواجهة مفتوحة مع واشنطن من أجله. إنها لعبة توازن دقيق بين الإدانة الدبلوماسية والدعم غير المباشر.

 

بمفهوم آخر تري روسيا في بقاء إيران ضرورة لكسر الطوق الغربي، والصين تعتبرها شريان طاقة رئيسيًا في مشروع الحزام والطريق.

كلاهما لا يريد حربًا شاملة، لكنهما يرفضان سقوط طهران.

 

إيران… بين التغيير والانفجار

 

المعادلة الأخطر ليست في الضربات الخارجية، بل في الداخل الإيراني نفسه:

• اقتصاد منهك بالعقوبات

• جيل شاب مختلف في رؤيته

• صراع بين التيار الأيديولوجي والتيار البراغماتي

 

وهنا يصبح السؤال: هل نشهد إصلاحًا من داخل النظام أم اهتزازًا يقود إلى فراغ سياسي؟

 

الشرق الأوسط أمام لحظة مفصلية

 

أي تحول جذري في إيران سيعيد رسم خرائط النفوذ في:

الخليج – العراق – سوريا – لبنان – اليمن

وسيؤثر مباشرة على أسواق الطاقة والأمن الإقليمي.

 

الخلاصة

 

إيران اليوم ليست مجرد دولة تحت الضغط، بل مفتاح توازن القوى العالمي.

واشنطن تدير الصراع، موسكو وبكين تمنعان الانهيار، وإسرائيل تتحرك تكتيكيًا، بينما يقف الشرق الأوسط على حافة مرحلة جديدة.

 

السؤال لم يعد: هل يتغير النظام؟

بل: كيف سيتغير… ومن سيملأ الفراغ إن حدث؟

 

لأن أخطر ما في التحولات الكبرى ليس سقوط الأنظمة، بل ما يأتي بعدها.