د.شاهيناز العقباوي تكتب: دبلوماسية المطاعم وسياسة الموائد

حملت مائدة الأفطار الأطول التى أقيمت مع بداية شهر رمضان المبارك وسط قطاع غزة العديد من الرسائل الضمنية، فبعيدًا عن كونها وسيلة من وسائل الدعم النفسى، أعتبرت قصة حديثة من قصص الصمود الأسطورى لأصحاب الأرض، حيث لم يكن من الصعب على أغلب شعوب العالم ترجمة محتوى المضمون فهى ليست مائدة عادية بل تأكيد على الاستمرار.
فما يصعب الإعلان عنه صراحة تستطيع موائد الطعام التعبير عنه وهذا تحديدًا ما قام به عمدة ولاية مينيا بوليس الأمريكية جاكوب فراى فبعد حديثه بأنه فخور بوجود أكبر جالية صومالية فى البلاد ظهر وهو يتناول الطعام فى أحد أشهر مطاعمها فى الولايات المتحدة الأمريكية والذى أعتبرة البعض تحديًا مباشرًا للرئيس ترامب بعد الهجوم الذى شنه على وجود المهاجرين الصوماليين ببلاده والتهديد باتخاذ قرارات رادعة بهذا الشأن.
ولم يكن ممدانى عمدة مدينة نيويورك الأشهر ببعيد عن هذا التوجه لاسيما ورغم تصريحاته المباشرة واتهامه للحكومة الأمريكية بالمشاركة فى حرب الإبادة على قطاع غزة ظهر فى عدد من المطاعم العربية وتعمد التصوير وهو يتناول وجباتهم التقليدية، وكانت صورته الأشهر فى أحد المطاعم الجزائرية وخلفه علقت الكثير من صور شهداء الثورة ما هى إلا انعكاس غير مباشر عن توجهاته السياسية.
وفى محاولة لإنقاذ العديد من المطاعم الإسرائيلية بعد حملات المقاطعة العالمية التى شنت ضدها ظهر الرئيس دونالد وهو يشارك فى بيع البطاطس وأخرى وهو يتناول الطعام بها، كوسيلة من وسائل الدعم والترويج لها.
علاقة ترامب بالمطاعم تبدو أكثر عمقًا ذلك لأنه يملك العديد منها فضلًا عن كونه يعتبرها مكانًا لعقد الاتفاقيات السياسية وإبرام الصفقات الاقتصادية، سواء مع القوى الخارجية أو الداخلية.
وخلال فترة رئاسته الأولى، عقد اجتماعات مع العديد من قادة العالم، فى منتجعه الغذائى الخاص مار-آ-لاغو، بما فيهم رئيس الوزراء اليابانى شينزو آبى والرئيس الصينى شى جين بينج. وهو حريص على التقاط الصور لهم حول موائد الطعام فى محاولة منه لتوصيل رسالة مفادها، أن العلاقة بينهم تجاوزت مرحلة السياسة إلى ما هو أعمق.
ويمكن القول إن دبلوماسية المطاعم الفلسطينية حققت ما عجزت عنه طاولات السياسة، وانتصر المقاومون فى أكثر من معركة خاضوها لاسيما خارج البلاد، ذلك أن الطاهية الفلسطينية جودى القلا، حاولت عبر مطعمها الشهير فى لندن التعريف بتاريخ القدس الثقافى لزواره، ودحض الكثير من مزاعم الاحتلال وتذكير العالم بالقضية الفلسطينية.
وعليه فالعلاقة بين السياسة وطاولة الطعام وثيقة وتتجاوز مجرد تناول الوجبات، إذ تعد أداة دبلوماسية «للقوة الناعمة» لتجاوز الكثير من الحدود وكسر العديد من القيود بين الدول.
دبلوماسية المطاعم أو موائد الطعام عرفت بأنها النظرية الأحدث التى تعتمد على التوصل إلى الكثير من الحلول واتخاذ العديد من القرارات المصيرية، عبر الاعتماد على قوة التأثير والتناغم وتبادل الثقافات.
على طاولة الطعام يمكن فض النزاعات وتجاوز الخلافات وفتح مجالات الاتفاق، والتوصل إلى حلول تتناسب مع نوع الطعام ومهارة الطاهى وحرفية العرض والقدرة على تحقيق التميز والاختلاف والجودة.



