د.هاني أبو الفتوح الخبير الاقتصادي يكتب: حماية الصناعة أم استنزاف المستهلك؟

أثار قرار الحكومة الصادر في 20 يناير 2026 بإلغاء الإعفاء الجمركي المؤقت على الهواتف المحمولة القادمة من الخارج جدلًا واسعًا بين المستثمر والمواطنين أنفسهم. فبينما يشيد بعض الخبراء بنجاح جهود التوطين يشعر المستهلك اليومي بالضغط المباشر على جيبه إذ تتحمل الأسر أعباءً مالية إضافية تُترجم في سعر الهاتف.
الاستثمارات الأجنبية المباشرة في صناعة الهاتف المحمول بلغت نحو 5.42 مليار دولار خلال الربع الثاني من 2025 وهو رقم إيجابي على الورق لكنه لم ينعكس بعد على مستوى الأسعار أو التنافسية. على سبيل المثال هاتف Oppo A18 المُجمع محليًا يُباع في مصر بنحو 6250 جنيهًا بينما يُباع في السعودية – رغم استيراده بالكامل – بسعر يعادل 5500 جنيه. في طرازات أخرى تصل الفجوة السعرية إلى نحو 5000 جنيه لصالح الأسواق الخليجية ما يضعف حجج التنافسية خاصة وأن المكون المحلي لا يتجاوز 30% مقارنة بدول مثل فيتنام.
وبينما تشير البيانات إلى توفير نحو 5000 فرصة عمل مباشرة في صناعة الهواتف يظل هذا الرقم متواضعًا مقارنة بحجم الدعم الممنوح للصناعة. هنا يظهر البعد الإنساني. فالمواطن الذي يسعى لامتلاك أداة تكنولوجية هي اليوم ضرورة للتعلم والعمل يجد نفسه يمول امتيازات يحصل عليها المصنع دون مقابل ملموس في السعر النهائي.
الأمر يصبح أكثر وضوحًا عند النظر إلى المصريين العاملين في الخارج. فقد سجلت تحويلاتهم نحو 37 مليار دولار خلال أول 11 شهرًا من 2025 رقم قياسي يعكس ثقة هذه الشريحة في الاقتصاد المصري.
ومع ذلك يُفرض على كل منهم رسوم قد تصل إلى 38% على الهاتف الشخصي وهو استخدام فردي لا يهدد الإنتاج المحلي. منح هذه الفئة إعفاءات مدروسة ليس فقط عدلاً اقتصاديًا، بل أداة تحفيزية منخفضة التكلفة تحافظ على الثقة وتعزز الانتماء.
الخلاصة:تكشف هذه التطورات عن فجوة واضحة بين حماية المصانع وحماية المستهلك. التوسع الصناعي وحده لا يضمن تحسين حياة الناس. المطلوب اليوم سياسة صناعية ذكية ومتوازنة تربط بين جذب الاستثمار وتخفيف العبء عن المواطن مع رفع نسبة المكون المحلي وتعديل القرارات الجمركية لتشمل المصريين في الخارج باعتبارهم شركاء اقتصاديين فاعلين. الثقة خاصة لدى من يضخوا مليارات الدولارات سنويًا هي استثمار طويل الأجل لا يقل أهمية عن أي مصنع جديد.



