هشام عكاشة:يبرز الذكاء الاصطناعي كقدرة فريدة تمكن مديري المخاطر من معالجة كميات هائلة من البيانات في الوقت الفعلي

رحب هشام عكاشة نائب رئيس مجلس إدارة اتحاد بنوك مصر بالمشاركين في الملتقى السنوي لرؤساء إدارات المخاطر في المصارف العربية بدورته الثامنة، الذي انطلقت فعالياته اليوم الجمعة 15 مايو بمحافظة الإسكندرية.

وقال هشام عكاشة: يشرفني ويسعدني أن أرحب بكم جميعاً في الملتقى السنوي لرؤساء إدارات المخاطر في المصارف العربية بدورته الثامنة في وقت يشهد فيه عالمنا تحولات عميقة وسريعة، تحولات شاملة تعيد تشكيل للبنية الاقتصادية والمالية والرقابية على مستوى العالم. إننا لا نعيش فقط تغيرات في الأسواق أو تقلبات في المؤشرات، بل نواجه تحولات بنيوية عميقة تعيد تعريف مفاهيم الاستقرار المالي، والمخاطر، والسيولة، ودور البنوك ذاتها في الاقتصاد.

وتابع نائب رئيس مجلس إدارة اتحاد بنوك مصر : تفرض علينا هذه التحولات إعادة تشكيل البيئة الرقابية والتعليمية، فعلى سبيل المثال إطار بازل IV، الذي يدخل مراحله التنفيذية التدريجية، يطالب البنوك بتعزيز حسابات رأس المال، وتقليل الاعتماد على النماذج الداخلية، وزيادة الشفافية في إدارة المخاطر. في المنطقة العربية، يجب أن يترافق تنفيذ هذه الإصلاحات مع تطوير قدرات بشرية قادرة على بناء مهارات تحليل السيناريوهات المعقدة، ودمج أدوات الذكاء الاصطناعي في مراقبة المخاطر الاستباقية.

وقال عكاشة: يواجه مديرو المخاطر اليوم وضعا جديداً، فمن أبرز التحولات الجذرية المستقبلية: صعود التمويل غير المصرفي، انتشار التقنيات الرقمية، والانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون. هذه العوامل تزيد من تعقيد النظام المالي وترابطه، مما يجعل أي صدمة تنتقل بسرعة أكبر عبر الحدود.

ولقد شهدت السنوات الماضية ، اتخاذ البنك المركزي المصري سلسلة واسعة من الإجراءات لتعزيز إدارة المخاطر على مستوى القطاع المصرفي والاقتصاد ككل ، فعلى صعيد تعزيز الاستقرار المالي والرقابة المصرفية فقد تبنى تطبيق متدرج لمعايير بازل3، كما قام بالتوسع في اختبارات الضغط، وقام بإدارة مرنة للسيولة الدولارية، ودعم تدفقات التحويلات، وتعزيز الاحتياطي النقدي.
وعمل البنك المركزي المصري ، على تعزيز مرونة القطاع المصرفي أثناء الأزمات، وقام بإصدار أطر وضوابط الأمن السيبراني للبنوك، فضلا عن قيامه بمراقبة المخاطر النظامية، والمتابعة الدورية للمؤشرات الاحترازية. كما يعمل على تعزيز رؤوس أموال البنوك، وتحسين نسب كفاية رأس المال، وتقوية المخصصات

أما على مستوى الاتحاد فقد قامت اللجان الفرعية المنبثقة عن لجنة المخاطر خلال العام الماضي بمناقشة العديد من الموضوعات الهامة على سبيل المثال لا الحصر ناقشت اللجنة الفرعية لمخاطر المؤسسة عملية التقييم الداخلي لكفاية رأس المال ICAAP، ومستجدات تطبيق خطة التعافي في ظل التحديات التي تواجهها البنوك. بينما ناقشت اللجنة الفرعية لمخاطر المشروعات الصغيرة والمتوسطة دراسة إمكانية الاستفادة من البيانات لدي شركات Fin-Tech. وناقشت اللجنة الفرعية لمخاطر السوق والسيولة تفعيل المشتقات المالية في السوق المصري، وعملية التقييم الداخلي لكفاية السيولة (ILAAP)، وتنفيذ عمليات الصرف الآجلة.
وناقشت اللجنة الفرعية لمخاطر التشغيل إدارة مخاطر مقدمي الخدمات، وآليات التعامل مع مخاطر ESG بالبنوك، أفضل الممارسات في مجال استمرارية الأعمال. وناقشت اللجنة الفرعية لمخاطر ائتمان الشركات دور قطاعات ائتمان الشركات في تشجيع وتوطين المشروعات المحلية.
وقد قامت اللجنة الرئيسية للمخاطر باستعراض ومناقشة أوراق وتوصيات اللجان الفرعية المنبثقة عنها، بما يدعم تعزيز الإطار المتكامل لإدارة المخاطر بالقطاع المصرفي المصري، ورفع كفاءة الالتزام بالمتطلبات الرقابية ومواجهة التحديات الراهنة.
وأكد هشام عكاشة: يبرز الذكاء الاصطناعي كقدرة فريدة تمكن مديري المخاطر من معالجة كميات هائلة من البيانات في الوقت الفعلي، واكتشاف الأنماط المخفية، وتوليد توقعات دقيقة للسيناريوهات المستقبلية بسرعة تفوق الطرق التقليدية بكثير. ويتمثل الدور الأبرز له في تعزيز الرقابة الاستباقية. فمن خلال نماذج التعلم الآلي والتعلم العميق، يستطيع النظام محاكاة سيناريوهات متعددة.
وفي هذا الإطار، يبرز دور البنوك في منطقتنا العربية والمصرية باعتبارها جزءًا من هذا النظام العالمي المتشابك، حيث تتأثر بشكل مباشر بتغيرات أسعار الفائدة العالمية وباتجاهات رؤوس الأموال الدولية. إن التحدي الحقيقي هنا لا يكمن فقط في فهم هذه التحولات، بل في القدرة على التكيف معها بشكل استباقي. فالنظام المالي العالمي لم يعد ينتظر المؤسسات حتى تتكيف، بل يتحرك بسرعة تفوق قدرة النماذج التقليدية على التنبؤ، وهو ما يفرض على البنوك تطوير أدوات أكثر مرونة، تعتمد على فهم أعمق للترابط بين المخاطر، وليس على تحليلها بشكل منفصل.
وفي مجال إدارة المخاطر الائتمانية، يقدم الذكاء الاصطناعي قفزة نوعية لتقييم جدارة العملاء بدقة أعلى في بيئة اقتصادية متذبذبة. هذا يساعد البنوك العربية على تقليل نسبة القروض المتعثرة، وتحسين تخصيص رأس المال، خاصة مع اقتراب المراحل النهائية لتنفيذ اتفاقية بازل IV التي تطالب بمزيد من الدقة والشفافية في حسابات المخاطر.
أما في المخاطر التشغيلية والأمن السيبراني، فأنه يعزز قدرات الكشف عن الاحتيال والكشف الفوري عن الهجمات السيبرانية، التي أصبحت أكثر تعقيداً ودعماً بالذكاء الاصطناعي نفسه.
وفي سياق مخاطر التغير المناخي والاستدامة، يساهم في إجراء اختبارات الضغط المناخية بكفاءة أعلى في المنطقة العربية التي تواجه تحديات التصحر وندرة المياه، ويمكن له توجيه التمويل المستدام نحو المشاريع الأكثر مرونة، مثل الطاقة المتجددة في دول الخليج أو مشاريع التكيف المناخي في مصر وحوض النيل. كما يساعد في قياس التأثير الرأسمالي للمخاطر الفيزيائية والانتقالية على المحافظ التمويلية.
وتقدم البنك المركزي المصري بخطوات ملموسة من خلال إصدار تعليمات رقابية ملزمة بشأن إدارة المخاطر المالية المرتبطة بالمناخ، وإلزام البنوك بالإقرار عن العملاء المصدرين وفق آلية CBAM بدءاً من النصف الثاني من 2026.
وأكد أن التحول في دور مدير المخاطر من الرقابة الدفاعية إلى الشراكة الاستراتيجية يتجسد بوضوح مع تبني الذكاء الاصطناعي، وأصبح مدير المخاطر اليوم قائداً لفرق متعددة التخصصات، تجمع بين الخبرة المالية والفهم العميق للتكنولوجيا، لتحويل المخاطر إلى فرص تنافسية. ومع ذلك، يتطلب الأمر استثماراً كبيراً في بناء القدرات البشرية، وضمان جودة البيانات، وتطوير نماذج قابلة للتفسير أمام الجهات الرقابية والمساهمين. كما يجب التوازن بين الابتكار والحوكمة لتجنب المخاطر النظامية الجديدة.
وأشار إلى أن الوضع الراهن يفرض علينا تحولاً جذرياً: من إدارة المخاطر كوظيفة دفاعية إلى شراكة استراتيجية تدعم النمو المستدام. يجب أن نعزز التعاون الإقليمي بين البنوك والجهات الرقابية، ونستثمر في التكنولوجيا والكفاءات البشرية، مع مراعاة الخصوصيات العربية.
ودعا عكاشة المصارف العربية ، إلى حوار بنّاء خلال جلسات المؤتمر، لنخرج بتوصيات عملية تعزز مرونة قطاعنا المصرفي، وتساهم في بناء اقتصاد عربي أكثر قوة واستدامة أمام التحديات الراهنة والمستقبلية.



