مقالات 

الأستاذ الدكتور أحمد جبر بريك استشاري أمراض القلب والقسطرة يكتب: اللحوم المصنعة..قنبلة موقوتة

في زحمة الحياة اليومية وسرعة إيقاعها، أصبحت الأطعمة السريعة والجاهزة خياراً مفضلاً للكثيرين، وتتصدر اللحوم المصنعة – مثل اللانشون، البسطرمة، السجق، والهوت دوج – قوائم التسوق والوجبات المدرسية ،ورغم مذاقها الجذاب وسهولة تحضيرها، إلا أن خلف هذه الميزات الظاهرية تكمن حقائق طبية مقلقة تجعلها واحدة من أكبر التحديات التي تواجه الصحة العامة اليوم.

 

كيف تُصنع الكارثة؟

اللحوم المصنعة ليست مجرد لحوم عادية؛ فهي تخضع لعمليات معقدة من التمليح، المعالجة الكيميائية، أو التدخين بهدف إطالة فترة الصلاحية وتحسين المذاق. هذه العمليات تضيف إلى المادة الغذائية مركبات تشكل خطراً حقيقياً ومتراكماً، ولا سيما على وظائف القلب والأوعية الدموية.

 

القلب والشرايين.. المتضرر الأول

بصفتي طبيب قلب، أرى يومياً التأثيرات المدمرة للأنظمة الغذائية غير الصحية، وتعد اللحوم المصنعة عدواً مباشراً لصحة الأوعية الدموية لعدة أسباب:

 

1. قنبلة الصوديوم وارتفاع ضغط الدم: تحتوي هذه المنتجات على نسب هائلة من الصوديوم الذي يُستخدم كمادة حافظة أساسية. الاستهلاك المستمر يؤدي إلى احتباس السوائل في الجسم، مما يزيد من العبء على الشرايين ويُعد عاملاً رئيسياً في تفاقم حالات ارتفاع ضغط الدم وصعوبة السيطرة عليه حتى مع الأدوية.

2. انسداد الشرايين: المحتوى العالي من الدهون المشبعة في هذه اللحوم يساهم بشكل مباشر في تراكم اللويحات الدهنية (الكوليسترول) داخل الشرايين، مما يرفع من خطر الإصابة بقصور الشريان التاجي والذبحات الصدرية.

 

3. تدمير جدران الأوعية: المواد الحافظة المضافة تُحفز الالتهابات داخل الأوعية الدموية، مما يُسرّع من شيخوخة الشرايين ويفقدها مرونتها.

 

ناقوس خطر من منظمة الصحة العالمية

لم يعد الأمر مجرد تحذيرات طبية عامة؛ فقد اتخذت منظمة الصحة العالمية (WHO) خطوة حاسمة بتصنيف اللحوم المصنعة ضمن المجموعة الأولى (Group 1) للمسرطنات. هذا التصنيف يضعها في نفس فئة التبغ والأسبستوس من حيث وجود أدلة علمية قاطعة على ارتباطها بسرطان القولون والمستقيم.

السر يكمن في “النترات” و”النتريت”، وهي المواد المضافة التي تتحول داخل الجسم إلى مركبات (النتروزامين) المسببة للسرطان. فضلاً عن دورها في زيادة مقاومة الجسم للأنسولين، مما يمهد الطريق للإصابة بالسكري من النوع الثاني.

 

طازج أم مصنع؟

لتوضيح الصورة، تكفي مقارنة بسيطة: اللحوم الطازجة وقليلة الدهون تحتوي طبيعياً على نسب منخفضة من الصوديوم ولا تحتوي على مواد حافظة كيميائية. في المقابل، تحتوي اللحوم المصنعة على صوديوم أعلى بنسبة تصل إلى 400%، بالإضافة إلى كوكتيل من النترات والفوسفات التي تضر الشرايين وتزيد من خطر الجلطات.

 

 

 

رسالة للصحة العامة

إن الحد من استهلاك اللحوم المصنعة لم يعد رفاهية، بل ضرورة حتمية لتقليل العبء الصحي على الأفراد والمجتمع. وإليكم أهم التوصيات:

 

• ابحث عن البديل الآمن: الأسماك، الدجاج المشوي، أو البقوليات هي مصادر بروتين ممتازة ولا تحمل نفس المخاطر.

 

• احموا أطفالكم: من الضروري تغيير ثقافة الوجبات المدرسية (اللانش بوكس). الاعتماد اليومي على اللانشون والهوت دوج يضر بأوعية الأطفال الدموية منذ الصغر، ويجب استبدالها ببدائل صحية مُعدة في المنزل.

 

الاعتدال الشديد: إذا كان لا بد من تناول هذه اللحوم، فليكن ذلك في أضيق الحدود وفي المناسبات الاستثنائية فقط، وليس كجزء من روتين الغذاء الأسبوعي.

 

صحتنا وصحة أبنائنا تستحق منا وقفة جادة لإعادة النظر فيما نضعه على موائدنا.