انطلاق فعاليات منتدى القاهرة الثالث Cairo forum 2026 لمناقشة التحولات العالمية ومستقبل الاقتصاد الدولي .. صور

انطلقت صباح اليوم الأحد فعاليات منتدى القاهرة الثالث «Cairo Forum 2026»، الذي ينظمه المركز المصري للدراسات الاقتصادية على مدار يومين، تحت عنوان «استكشاف أعماق التحول العالمي.. من قمة جبل الجليد إلى الأعماق»، بمشاركة عدد من المسؤولين والخبراء وصناع القرار والمفكرين العالميين، لمناقشة التحولات العالمية المتسارعة، وتأثيراتها على الاقتصاد العالمي مع تحليل المشهدين الجيوسياسي والاقتصادي، في ظل تزايد التشابك والتعقيد بين التطورات السياسية والاقتصادية وتأثيراتها على حركة التجارة والاستثمار والطاقة وسلاسل الإمداد ومستقبل النمو.
وشهدت الجلسة الافتتاحية للمنتدى مناقشات حول تداعيات التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، وتصاعد السياسات الحمائية وتغير قواعد التجارة الدولية وارتفاع تكلفة التمويل، إلى جانب التحولات التكنولوجية المتسارعة ودور الذكاء الاصطناعي، وانعكاسات هذه المتغيرات على اقتصادات دول الجنوب العالمي، فضلا عن مستقبل الحوكمة الدولية وضرورة إصلاح المؤسسات متعددة الأطراف، وأهمية تعزيز التعاون الاقتصادي والشراكات الدولية للحفاظ على الاستقرار ودعم التنمية.
وشارك في الجلسة الافتتاحية أحمد كجوك وزير المالية، وستيفان روينهوف وزير الدولة البرلماني لوزارة الشؤون الاقتصادية والطاقة في ألمانيا، وعمرو موسى وزير الخارجية الأسبق، والدكتورة عبلة عبد اللطيف المدير التنفيذي ومدير البحوث بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية، وعمر مهنا رئيس مجلس إدارة المركز المصري للدراسات الاقتصادية.

وقالت الدكتورة عبلة عبد اللطيف، إن تنظيم الدورة الثالثة من منتدى القاهرة يأتي في إطار وضع مصر على خريطة الحوار الدولي بين مراكز الفكر والمؤسسات البحثية المعنية بتحليل الأحداث والتحولات العالمية، والمشاركة في مناقشة القضايا التي تشكل مستقبل الاقتصاد الدولي.
وأضافت أن أهمية المنتدى تنطلق من أن ما يظهر على السطح من مواقف وتغيرات اقتصادية لا يمثل سوى «قمة جبل الجليد»، بينما توجد خلف هذه التطورات مجموعة من العوامل والأسباب المتشابكة التي تحتاج إلى تحليل أعمق، مشيرة إلى أن العالم يشهد العديد من المؤتمرات والفعاليات التي تتناول الأحداث الجارية، لكن الحاجة تظل قائمة إلى مساحات تتيح مناقشات مفتوحة ومتعمقة حول جذور الأزمات وأسبابها، والبحث عن الحلول المناسبة للتعامل معها.
وأشارت إلى أن المنتدى يحرص كذلك على إتاحة الفرصة أمام الشباب للمشاركة في الحوار، معربة عن سعادتها بمشاركة نحو 200 شاب في فعالياته، مؤكدة أهمية الاستماع إلى آرائهم ووجهات نظرهم، باعتبار أن القرارات التي يتم اتخاذها في الوقت الحالي ستنعكس بصورة مباشرة على مستقبلهم.

وقال عمر مهنا، رئيس مجلس إدارة المركز المصري للدراسات الاقتصادية، إن انعقاد المنتدى يأتي في توقيت يشهد تغيرات دولية متسارعة، وتزايدا في الضغوط التي تواجه الاقتصادات المختلفة، في ظل تداخل التحولات السياسية والاقتصادية وتأثير بعضها في بعض، بما يفرض تحديات متزايدة أمام جهود الحفاظ على الاستقرار وتحقيق التنمية.
وأضاف أن مناقشات المنتدى تستهدف تجاوز متابعة الأحداث والعناوين الرئيسية إلى فهم ما وراءها، والانتقال من مجرد رصد التطورات إلى تحليل أسبابها واستشراف تداعياتها والسيناريوهات المحتملة خلال الفترة المقبلة.
وأوضح أن هذه التحولات تؤثر بصورة مباشرة على قدرة الدول على جذب الاستثمارات وتحقيق النمو، وهو ما يجعل من الضروري مناقشة الفرص والتحديات المحتملة مع مجموعة من المفكرين والخبراء والمتخصصين، للوصول إلى قراءة أكثر عمقا للمشهد الدولي، وتحديد المسارات التي يمكن أن تساعد الاقتصادات المختلفة على التعامل مع المتغيرات الراهنة.
وأكد ستيفان روينهوف، وزير الدولة البرلماني لوزارة الشؤون الاقتصادية والطاقة في ألمانيا، أهمية تعزيز الحوار الاقتصادي بين مصر وألمانيا والمجتمع الدولي، مشيرا إلى أن منتدى القاهرة نجح خلال دوراته الثلاث في ترسيخ مكانته كمنصة لمناقشة التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي، وتبادل الرؤى حول التحولات الجارية.
وأوضح أن عنوان المنتدى لهذا العام يعكس الحاجة إلى النظر إلى ما وراء التطورات الظاهرة على السطح، وفهم العوامل العميقة التي تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي، في ظل الصراعات الجيوسياسية والتحولات التي تشهدها سلاسل الإمداد وأمن الطاقة والتغيرات المناخية، وما تفرضه من تحديات أمام النمو الاقتصادي.
زظ
وأشار إلى أهمية تقييم أوضاع سلاسل الإمداد العالمية، ومناقشة المجالات التي تشهد تحولات كبيرة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الدور المتنامي لدول الجنوب العالمي باعتبارها عنصرا رئيسيا في مستقبل الاقتصاد الدولي.
وأضاف أن مصر تمتلك فرصا مهمة لتعزيز التصنيع والاندماج في الاقتصاد العالمي، لافتا إلى أن التحديات الاقتصادية والتجارية لا يمكن التعامل معها من خلال التدابير الحمائية وإغلاق الأسواق، وإنما تتطلب بناء شراكات قوية وتعزيز دور المنظمات والمؤسسات الدولية.
وفيما يتعلق بالعلاقات المصرية الألمانية، أوضح أن البلدين يتمتعان بشراكة طويلة الأمد تشمل مجالات البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا، مشيرا إلى أن مصر تعد أحد أهم الشركاء لألمانيا في المنطقة، وتمثل حلقة وصل مهمة بين أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط.
وأضاف أن حجم التبادل التجاري بين البلدين تجاوز 6 مليارات يورو، إلى جانب وجود فرص واسعة للتعاون الاستثماري، في ظل نشاط شركات ألمانية كبرى، من بينها «سيمنز»، في السوق المصرية، خاصة في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا.
وأشار إلى أنه خلال زيارته إلى مصر في فبراير الماضي، شارك في أعمال اللجنة الاقتصادية المصرية الألمانية، التي ناقشت الفرص المتاحة لتطوير العلاقات الاقتصادية، مع التركيز على إمكانات النمو في قطاعات الطاقة والرقمنة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
وأكد أن المستثمرين الألمان ينظرون بثقة إلى مناخ الأعمال في مصر، وما يوفره من فرص وتنافسية، مشيرا إلى أن قطاع الطاقة يمثل أحد أبرز المجالات الواعدة للتعاون بين البلدين، في ظل التحديات المشتركة المتعلقة بتأمين إمدادات الطاقة بأسعار مناسبة، والحفاظ على القدرة التنافسية للصناعة، والتحول نحو مصادر أكثر استدامة وصداقة للبيئة.
وأوضح أن مصر تمتلك إمكانات جيدة في مجال تأمين الطاقة، فضلًا عن توافر العمالة والقدرات البشرية، بما يتيح فرصا إضافية للتعاون، لافتا إلى وجود شركات ألمانية تعمل في مجالات الطاقة والهيدروجين، مع استمرار الجهود لتحسين ظروف الاستثمار ونقل التكنولوجيا، وتحويل الفرص المتاحة إلى استثمارات مستدامة.
وأضاف أن التعاون في مجالات الطاقة والهيدروجين ورقمنة التصنيع يمكن أن يشكل قاعدة مهمة لتعميق الشراكة الاقتصادية بين البلدين، مشيرا إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه مصر كمركز إقليمي للغاز الطبيعي ونقل البترول.
وشدد على أن الهدف يتمثل في تحقيق التوازن بين أمن الطاقة وتوفيرها بأسعار معقولة، والحفاظ على البيئة ومواجهة التغيرات المناخية، مؤكدا أن مستقبل الشراكة لا يتوقف على مشروعات البنية التحتية فقط، وإنما يرتبط كذلك بتطوير القوى العاملة وتأهيلها لتلبية احتياجات الاقتصاد الحديث.
وأشار إلى أن ألمانيا تمتلك خبرات واسعة في مجال التدريب المهني، بينما تتمتع مصر بقاعدة شبابية كبيرة لديها قدرات وإمكانات يمكن تطويرها، بما يتيح تعزيز التعاون في الربط بين التعليم والتكنولوجيا واحتياجات سوق العمل، سواء في مجالات التصنيع أو الخدمات الحديثة.

من جانبه أشاد أحمد كجوك، وزير المالية، بعمق الملفات المطروحة وتنوع المناقشات والحضور بالمنتدى موجها الشكر إلى المركز المصري للدراسات الاقتصادية على التنظيم، مؤكدا أهمية النظر إلى ما وراء الأحداث الاقتصادية اليومية لفهم التحولات الأعمق التي تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي.
وأضاف أن العالم يتحمل في الوقت الحالي تكلفة التحولات الجارية، وأن تداعياتها ستمتد إلى السنوات المقبلة، موضحا أن التعامل مع المتغيرات الاقتصادية من خلال متابعة المؤشرات الظاهرة فقط يشبه النظر إلى قمة جبل الجليد، بينما تكمن التحديات الحقيقية في التغيرات الهيكلية التي تحدث في بنية الاقتصاد العالمي.
وأشار إلى أن العالم يواجه ضغوطا متعددة تشمل التضخم والتصنيفات الائتمانية والظروف التمويلية الصعبة، إلى جانب تحولات واسعة تتطلب إعادة النظر في نماذج النمو الاقتصادي، لافتا إلى أن دول الجنوب تحملت جانبا كبيرا من تبعات هذه التغيرات.
وأوضح أن هناك ثلاثة تحولات هيكلية رئيسية كان لها تأثير واضح على الاقتصاد العالمي، يتمثل أولها في تغير قواعد التجارة الدولية، مشيرا إلى أن التجارة والانفتاح الاقتصادي يمثلان عنصرين أساسيين لدعم النمو، إلا أن ما يشهده العالم حاليا يعكس اتجاها متزايدا نحو السياسات الحمائية، بعد أن أصبحت القيود والحواجز التجارية أقرب إلى القاعدة بدلا من الاستثناء.
وأضاف وزير المالية أن تصاعد الحواجز الجمركية والإجراءات الحمائية يفرض أعباء إضافية على الدول النامية، ويحد من قدرتها على الاستفادة من التجارة العالمية والانفتاح على الأسواق المختلفة.

وأوضح أن التحول الثاني يتعلق بتغير تكلفة الأموال والتمويل، في ظل ارتفاع تكلفة التمويل وتزايد تقلبات الأوضاع المالية العالمية، مشيرا إلى أن تدفقات الاستثمار أصبحت أكثر تغيرا وعدم استقرار، وهو ما يفرض ضغوطا على الاقتصادات المختلفة، خاصة دول الجنوب التي تواجه مساحات مالية أضيق وظروفا تمويلية أكثر تكلفة.
وأكد أن هذه التطورات تؤثر على قدرة الدول النامية على الادخار والاستثمار، وتحد من قدرتها على توفير التمويل اللازم لاحتياجاتها التنموية، مشيرا إلى أهمية أن يكون الاستثمار الأجنبي المباشر داعما للاتفاقيات التجارية والتكامل الاقتصادي.
وتابع أن التحول الثالث يتمثل في التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، الذي يمكن أن يحقق نتائج إيجابية كبيرة خلال الفترة المقبلة، لكنه في الوقت نفسه لا يضمن تحقيق مكاسب متساوية لجميع الدول، وقد يمثل تهديدًا لبعض الاقتصادات التي لا تمتلك القدرات اللازمة لمواكبة هذه التحولات.
وأعرب عن أمله في أن تتيح مناقشات المنتدى بحث كيفية ضمان توزيع عادل لمكاسب هذه التطورات، وتحقيق قدر أكبر من المساواة والعمل المشترك بما يخدم مصالح جميع الدول.
وأشار إلى أن العالم يواجه في الوقت الحالي تغيرًا في قواعد التجارة، وظروفًا أكثر صعوبة، وارتفاعًا في تكلفة الاستثمار، إلى جانب أزمات الطاقة والتطورات التكنولوجية المتسارعة، التي لا تزال تداعياتها المستقبلية غير واضحة بصورة كاملة، وهو ما يفرض ضرورة الاستعداد لهذه المتغيرات.

وفيما يتعلق بالاقتصاد المصري، أوضح كجوك أن الحكومة أطلقت البرنامج الاقتصادي للحوار منذ نحو ثلاث سنوات، بهدف مناقشة التحولات المطلوبة في نموذج النمو، ومعالجة التحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد المصري، مضيفا يرتكز البرنامج على 5 محاور رئيسية، تستهدف تعزيز الإنتاجية، وإطلاق إمكانات قطاع الخدمات، وتحسين مستويات معيشة الطبقة المتوسطة، وتعميق الاندماج في سلاسل القيمة العالمية والتكتلات الإقليمية، إلى جانب تعظيم الاستفادة من الأصول المملوكة للدولة.
وأشار كجوك أن الاقتصاد المصري حقق معدلات نمو تراوحت في المتوسط بين 4.5 و5% على مدار العقود الماضية، دون مساهمة ملموسة من الإنتاجية، التي تمثل أحد المحركات الرئيسية المفقودة في نموذج النمو الاقتصادي.
وأوضح أن هذا النموذج يحتاج إلى تغيير، من خلال جعل الإنتاجية محركًا رئيسيًا للنشاط الاقتصادي، بما يتيح تحقيق معدلات نمو أعلى وأفضل، والأهم أن يكون النمو أكثر استدامة ولا يؤدي إلى استنزاف الموارد المحدودة والقيمة التي يمتلكها الاقتصاد.

وأشار إلى أن الركيزة الثانية تتمثل في إطلاق إمكانات قطاع الخدمات، وتعزيز قدراته التشغيلية والتصديرية، لافتًا إلى أن الخدمات بمختلف أنواعها وأنشطتها يمكن أن تمثل محركًا قويًا لخلق فرص عمل مناسبة وعالية الجودة، وتوسيع القاعدة التصديرية لمصر، وزيادة الأنشطة ذات القيمة المضافة المرتفعة، بما يحقق مكاسب أكبر للاقتصاد الوطني.
وأضاف وزري المالية، أن الركيزة الثالثة تركز على تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للطبقة المتوسطة، من خلال توفير فرص عمل أفضل، وزيادة الدخول الحقيقية، وتحسين مستوى الخدمات المقدمة لها.
وأوضح أن الحكومة أنشأت آليات للحماية الاجتماعية تحتاج إلى تبنيها وتوسيع نطاقها، إلا أن المرحلة الحالية تتطلب أيضًا اهتمامًا أكبر بتلبية احتياجات الطبقة المتوسطة، وتحسين قدرتها على مواجهة الأعباء الاقتصادية، من خلال سياسات تستهدف رفع الدخول وتحسين جودة فرص العمل والخدمات.
ولفت كجوك إلى أن الركيزة الرابعة تتمثل في تحسين اندماج الاقتصاد المصري، سواء مع سلاسل القيمة العالمية أو التكتلات الإقليمية والأسواق الناشئة، بما يعزز قدرة مصر على الاستفادة من حركة التجارة والاستثمار الدولية، ويوسع فرص مشاركة الشركات المصرية في الأسواق الخارجية.
وتابع أن الركيزة الخامسة تستهدف تعظيم الاستفادة من الأصول المتراكمة، وإعادة التفكير في أفضل السبل لتوظيفها لخدمة الاقتصاد والمواطنين، مشيرًا إلى أن مصر تمتلك رصيدًا كبيرًا من الأصول التي يتعين العمل على إدارتها واستغلالها بكفاءة أكبر لتحقيق عوائد اقتصادية وتنموية.
وأكد وزير المالية أن المحاور الخمسة تمثل ركائز البرنامج الاقتصادي الجديد، مشيرًا إلى أن الحكومة تستهدف الاستفادة من المناقشات والأفكار التي يطرحها المشاركون في المنتدى، لتعزيز البرنامج وإثرائه برؤى ومقترحات عملية تسهم في تطويره.
وشدد على أن البرنامج يتمحور في الأساس حول القطاع الخاص، وكيفية تمكينه من قيادة النشاط الاقتصادي، من خلال إتاحة المساحة المناسبة له، وتحسين جودة البيئة التي يعمل فيها، بما يعزز دوره في الاستثمار والإنتاج والتشغيل.
وأكد كجوك أن المطلوب من مناقشات المنتدى على مدار يومين لا يقتصر على تقديم تشخيص جديد للتحديات، وإنما الخروج بمقترحات قابلة للتنفيذ، يمكن لجميع الأطراف العمل على تحقيقها، خاصة فيما يتعلق بهيكل الديون العالمية، والعدالة، وتمويل المناخ، وأهداف التنمية المستدامة، وقواعد التجارة الدولية، بما يضمن عدم معاقبة الدول التي تسعى إلى التقدم والمنافسة وتحسين أوضاعها الاقتصادية.
وأشار إلى أن قمة جبل الجليد ستظل دائمًا الجزء الأكثر جذبًا للانتباه، والذي تتابعه الأسواق يوميًا، لكن مسؤولية القائمين على إدارة الاقتصادات والمالية العامة، خاصة في دول الجنوب العالمي، تتمثل في تقوية الكتلة المغمورة تحت سطح المياه، حتى تكون أكثر صلابة وقدرة على تحمل الصدمات، وتضمن صمود الاقتصاد عندما تهب العواصف الاقتصادية، التي قد تكون بدأت بالفعل أو تقترب.
من ناحيته قال عمرو موسى وزير الخارجية الأسبق، إن العالم يمر بمرحلة بالغة الخطورة، في ظل تحديات تهدد الأمن والاستقرار والازدهار الدوليين، محذرًا من أن سوء إدارة التحولات الراهنة قد يقود إلى تداعيات خطيرة على مختلف دول العالم، مشددًا على أن تحقيق التنمية والتعاون الاقتصادي يتطلبان توافر السلام والاستقرار.
وأضاف موسى، أن المجتمع الدولي يواجه تساؤلات جوهرية بشأن مستقبل النظام الدولي القائم، ومدى قدرته على إدارة العلاقات الدولية وتحقيق الأمن والتنمية، وما إذا كان من الممكن استبدال منظومة الأمم المتحدة ومؤسسات بريتون وودز، أم أن الحل يكمن في تطوير هذه المؤسسات وتحديثها.
وأوضح أن استبدال المؤسسات الدولية القائمة، نظرًا لتعقيد هياكلها وتداخل أدوارها، أمر بالغ الصعوبة، وهو ما يعزز الاتجاه نحو ضرورة إصلاحها وتجديدها، مؤكدًا أن منظومة الأمم المتحدة ومؤسسات بريتون وودز لم تفشل، لكنها تحتاج إلى تطوير يضمن مشاركة جميع الدول والقارات والثقافات في التعامل مع مستقبل البشرية وصياغة قواعد النظام الدولي.
وشدد على أن الحديث عن انتهاء عصر الأمم المتحدة يمثل خطأً كبيرًا، مشيرًا إلى أن منظومة المنظمة الدولية نجحت في أداء العديد من أدوارها، باستثناء ما يتعلق بهيكل الأمن الدولي وآليات اتخاذ القرار بشأن القضايا الأمنية.
وأضاف أن الوكالات المتخصصة والصناديق والبرامج التابعة للأمم المتحدة أسهمت بصورة ملموسة في تحسين الأوضاع، خاصة في دول العالم الثالث، التي بات يشار إليها حاليًا بدول الجنوب العالمي، إلا أن هيكل الأمن الدولي، وتحديدًا مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، لا يزال يمثل أحد أبرز التحديات التي تتطلب معالجة جادة.
وفيما يتعلق بالتحولات في موازين القوى الدولية، قال موسى إن العالم أمضى عقودًا طويلة في متابعة التفاعلات بين الشرق والغرب، لكنه يدخل حاليًا مرحلة جديدة من العلاقات الدولية، تتزايد فيها أهمية المعادلة بين الشمال والجنوب، مع تنامي دور دول الجنوب العالمي في صياغة مستقبل النظام الدولي.
وأشار إلى أن هناك عددًا من الملاحظات المهمة بشأن هذا التحول، من بينها أن الصين، رغم كونها قوة اقتصادية كبرى، لا تزال تعتبر نفسها جزءًا من الجنوب العالمي، داعيًا إلى التأمل في دلالات هذا الموقف وانعكاساته على طبيعة التوازنات الدولية الجديدة.
وأضاف أن غياب القيادة على المستوى الدولي يمثل أحد مصادر الضعف في النظام العالمي، ويؤثر على قدرة الدول والمجتمعات على التعامل مع التحديات المشتركة، مشيرًا إلى أنه يرحب بإعادة انتخاب الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا، باعتباره أحد القيادات المهمة التي تعبر عن توجهات الجنوب العالمي وتشارك في صياغة رؤيته تجاه القضايا الدولية، في مقابل المواقف التي تتبناها دول الشمال.
وأكد أن هذه التحولات لا تقتصر أهميتها على الجانب السياسي، وإنما تمثل قضية أساسية لمجتمع الأعمال الدولي، لأن استقرار العالم يعد القاعدة الرئيسية لأي تنمية اقتصادية أو توسع في الأنشطة الاستثمارية والتجارية، فضلًا عن كونه شرطًا لبناء عالم أكثر ازدهارًا قائم على التعاون.
وأوضح أن تحقيق الازدهار والتعاون الدولي والوصول إلى مواقف تحقق المصالح المشتركة لجميع الأطراف لا يمكن أن يتم دون توافر السلام والاستقرار، مشيرًا إلى أن هذه الحاجة لا تقتصر على دول أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وإنما تمتد أيضًا إلى أوروبا، بما يعكس أن الاستقرار أصبح مطلبًا عالميًا مشتركًا.
وانتقل موسى إلى تطورات منطقة الشرق الأوسط، مؤكدًا أنها تواجه تحديات خطيرة في ظل مطالبات بعض القوى الكبرى بإحداث تغييرات واسعة في المنطقة، مشيرًا إلى أنه يتفق مع ضرورة التغيير، لكنه شدد على أن هذا التغيير لا ينبغي أن يقتصر على الدول العربية، وإنما يجب أن يشمل إسرائيل أيضًا.
وأوضح أن تحقيق تغيير حقيقي وفعال يتطلب مشاركة جميع دول المنطقة ومجتمعاتها، وأن معادلة الصراع في الشرق الأوسط، سواء الصراع العربي الإسرائيلي أو الفلسطيني الإسرائيلي، تحتاج إلى إعادة نظر من جميع الأطراف.
وأضاف أن التغيير المطلوب يجب أن ينبع من داخل المنطقة وبمشاركة شعوبها، وليس نتيجة ضغوط خارجية تعكس رؤى ومصالح قد لا تتفق بالضرورة مع مصالح شعوب الشرق الأوسط.
وحذر من أن التغيير أصبح أمرًا حتميًا، لكن توجيهه في المسار الخاطئ أو ارتكاب أخطاء في إدارته قد يقود إلى كوارث، مؤكدًا ضرورة أن يكون التغيير إيجابيًا ومدروسًا ومنفذًا بعناية، بما يحقق مصالح جميع الأطراف.
وانتقد موسى تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن قيادة إسرائيل للتغيير في المنطقة، معتبرًا أن السياسات الإسرائيلية والحكومة الحالية ارتكبت أخطاء جسيمة، بعدما قدمت إسرائيل نفسها باعتبارها دولة تعتمد على استخدام القوة، دون احترام كافٍ للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والقواعد التي توافق عليها المجتمع الدولي.
وشدد على أن أي تغيير في النظام الإقليمي، سواء على مستوى الشرق الأوسط أو العالم، يجب أن يكون إيجابيًا وملتزمًا بالقانون الدولي والقواعد المشتركة التي أقرتها الدول، محذرًا من أن فرض رؤية أحادية لمستقبل المنطقة لن يؤدي إلى تحقيق الاستقرار.
وفيما يتعلق بإيران، قال موسى إن طهران، باعتبارها دولة قديمة ومهمة في مجتمع الشرق الأوسط، مطالبة هي الأخرى بإعادة النظر في سياساتها، مشيرًا إلى أن دول العالم العربي والمنطقة بوجه عام لم تكن راضية عن عدد من جوانب السياسة الإيرانية خلال السنوات الماضية.
واستشهد بتصريح سابق لأحد القيادات الإيرانية البارزة، أعرب فيه عن فخره بأن إيران تمثل القوة التي تسيطر على أربع عواصم عربية، هي بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، معتبرًا أن هذا التصريح كان خطأً جسيمًا، ولا يعكس الأسس التي ينبغي أن تقوم عليها العلاقات بين دول المنطقة.
وأكد أن إيران تظل عضوًا أصيلًا في مجتمع الشرق الأوسط، وينبغي أن تستمر جزءًا من مستقبله، لكن ذلك يتطلب أن تكون قادرة على التعاون والقيادة الإيجابية وفهم طبيعة الشراكة الإقليمية، بما يسمح لها بالمشاركة في مسيرة التنمية والتقدم، مشددًا على أن التغيير ومراجعة السياسات يجب أن يشملا جميع الأطراف.
وأضاف أن شعوب المنطقة تدرك بالفعل ضرورة التغيير، لكنها مطالبة بالحذر من اتباع النصائح أو السياسات الخاطئة التي قد تدفع الأوضاع إلى مزيد من التصعيد وعدم الاستقرار.
وفي سياق حديثه عن مستقبل العلاقات بين شعوب المنطقة، أكد موسى أن الوقت قد حان لمشاركة العالم اليهودي في مسيرة بناء السلام، مشددًا على ضرورة عدم تصوير الصراع باعتباره مواجهة بين العرب واليهود، وإنما باعتباره خلافًا مع إسرائيل ونهجها في الحكم والإدارة والسياسات التي تتبعها في المنطقة.
وأشار إلى أن مواقف قطاعات من الشباب اليهودي، التي عبرت عن رفضها للسياسات الموجهة ضد المدنيين في غزة خلال العدوان الإسرائيلي، تمثل نقطة يمكن البناء عليها لفتح مسارات جديدة للحوار والتفاهم.
وأضاف أن دعوته لإسرائيل إلى تغيير سياساتها ومراجعة مواقفها تستهدف تهيئة الظروف التي تسمح لها بالعيش بأمان، وأن تحظى بقبول داخل مجتمع الشرق الأوسط، مؤكدًا أن ذلك لن يتحقق في ظل استمرار النهج الحالي.
وشدد على أن السياسات الإسرائيلية الراهنة لن تقود إلى مستقبل مستقر، بل ستخلق مزيدًا من المشكلات أمام مجتمعات الأعمال والاقتصادات وجهود التنمية والنهوض بالمنطقة.
وأكد أن التغيير يجب أن يشمل إسرائيل وفلسطين والعالم اليهودي وإيران وجميع الأطراف المعنية، لأن مستقبل الشرق الأوسط لن يتحدد من خلال تغيير طرف واحد، وإنما عبر مراجعة شاملة للسياسات والمواقف، بما يضمن مصالح شعوب المنطقة ويؤسس لعلاقات قائمة على التعاون والسلام.
واختتم موسى بالتأكيد على أن العالم يتغير بصورة متسارعة، وأن مصر والمنطقة تشهدان نقاشًا جادًا حول أبعاد هذه التحولات ومستقبل النظام الإقليمي، معربًا عن اعتقاده بأن مصر ستظل على المسار الصحيح طالما تمسكت باحترام القانون الدولي والمنظومة الدولية، وحقوق الشعوب في حياة أفضل.
وشدد على أهمية أن تمضي دول المنطقة والعالم معًا نحو مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا، خلال ما تبقى من القرن الحالي، على أساس احترام القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، والعمل المشترك من أجل تحسين حياة الشعوب وتحقيق تطلعاتها.



