مقالات 

د. أحمد شندي يكتب : اقتصاد مصر إلى أين؟

يعيش الاقتصاد المصري مرحلة دقيقة من تاريخه الحديث، بين تحديات عميقة من جهة، وفرص واعدة من جهة أخرى. فبينما تتزايد الضغوط الناتجة عن ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة المحلية وعبء الديون، تسعى الدولة في الوقت ذاته إلى تنفيذ إصلاحات هيكلية ومشروعات قومية كبرى تهدف إلى إعادة رسم الخريطة الاقتصادية والتنموية للبلاد.

 

أولًا: الواقع الاقتصادي الراهن

 

شهد الاقتصاد المصري في السنوات الأخيرة تقلبات واضحة نتيجة التغيرات العالمية، خاصة بعد جائحة «كورونا» والحرب الروسية الأوكرانية التي ألقت بظلالها على أسعار الطاقة والقمح وسلاسل الإمداد. ومع ذلك، استطاعت مصر الحفاظ على معدلات نمو موجبة، وإن كانت أقل من الطموحات، بفضل استمرار الاستثمارات الحكومية الضخمة في البنية التحتية، والطاقة، والنقل، والتوسع في مشروعات الإنتاج الغذائي والعقاري.

 

لكن التحدي الأكبر يظل في ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية للمواطن، إلى جانب الضغط الكبير على العملة الأجنبية، وهو ما أدى إلى تعدد أسعار الصرف، وزيادة الأعباء على قطاع الاستيراد والإنتاج المحلي.

 

ثانيًا: الإصلاحات الاقتصادية والمسار الحكومي

 

منذ عام 2016، أطلقت الحكومة المصرية برنامج إصلاح اقتصادي شامل بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، تضمن تحرير سعر الصرف، وإعادة هيكلة الدعم، وتوسيع شبكة الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجًا.

وفي المرحلة الحالية، تركز الحكومة على تحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي من خلال تبسيط الإجراءات وتقليل البيروقراطية، وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص، خاصة في قطاعات الصناعة، الزراعة، والسياحة ،كما تُعد المناطق الاقتصادية الخاصة مثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس نموذجًا واعدًا لجذب الاستثمارات وتعزيز الصادرات، بما يسهم في تقليل فجوة العملة الأجنبية ودعم الميزان التجاري.

 

ثالثًا: التحديات المستقبلية

 

رغم هذه الجهود، يبقى الطريق طويلًا أمام تحقيق استقرار اقتصادي مستدام.

من أبرز التحديات:

1. الديون الخارجية وضرورة ترشيد الاقتراض الخارجي.

2. ضعف الإنتاج الصناعي والزراعي المحلي مقابل زيادة الاعتماد على الاستيراد.

3. البطالة بين الشباب التي تحتاج إلى حلول مبتكرة تقوم على التدريب والتأهيل التقني وربط التعليم بسوق العمل.

4. جذب الاستثمارات الحقيقية بعيدًا عن المضاربات المالية أو العقارية قصيرة الأجل.

 

رابعًا: المستقبل الممكن

 

برغم التحديات، فإن مصر تمتلك مقومات نهوض قوية:

• موقع استراتيجي فريد يربط القارات الثلاث.

• سوق محلية ضخمة تتجاوز 110 ملايين نسمة.

• بنية تحتية متطورة نسبيًا بعد الطفرة في الطرق والطاقة والاتصالات.

• إرادة سياسية واضحة نحو الإصلاح وجذب المستثمرين.

 

الرهان الحقيقي سيكون على تشجيع الإنتاج والتصدير، وتوسيع قاعدة الاقتصاد الحقيقي، وربط التنمية بالعدالة الاجتماعية بحيث يشعر المواطن بثمار النمو في حياته اليومية.

 

النموذج الآسيوي — تجربة كوريا الجنوبية كنموذج لتقدم الاقتصاد المصري

 

أولًا: خلفية عن النموذج

 

كوريا الجنوبية كانت في الخمسينيات واحدة من أفقر دول العالم، تعتمد على المساعدات الخارجية، وتعاني من ضعف في الصناعة والزراعة.

لكن خلال 30 سنة فقط، تحولت إلى واحدة من أقوى الاقتصادات في آسيا والعالم، بفضل خطة تنمية طويلة المدى ركزت على التعليم، والصناعة، والتكنولوجيا، والانفتاح على العالم.

 

ثانيًا: عناصر نجاح النموذج الكوري

1. الاستثمار في التعليم والبحث العلمي

وضعت كوريا التعليم في مقدمة أولوياتها، فأنشأت مدارس ومعاهد فنية تربط بين الدراسة وسوق العمل، مما جعل العمالة هناك مؤهلة للإنتاج الحديث.

2. دعم الصناعة المحلية

ركزت الدولة على الصناعات التي يمكن أن تنافس عالميًا مثل الإلكترونيات والسيارات وبناء السفن.

بدأت بدعم الشركات الوطنية (سامسونج وهيونداي) لتتحول لاحقًا إلي علامات عالمية.

3. تشجيع التصدير

اعتمدت كوريا على مبدأ “التصدير أولًا”، فكل إنتاجها كان موجهًا للأسواق الخارجية، مما وفر عملة صعبة ورفع من قيمة الجنيه الكوري (الون).

4. القيادة الحكيمة والتخطيط الطويل الأجل

لم تعتمد كوريا على حلول قصيرة، بل وضعت خططًا تمتد لعقود، مع مراجعة دائمة للنتائج وتعديل المسار.

5. الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص

كان هناك تعاون وثيق بين الحكومة ورجال الأعمال في تمويل المشروعات والتصنيع والتصدير، مما جعل الاقتصاد يعمل كمنظومة واحدة.

 

ثالثًا: كيف يمكن لمصر أن تطبق هذا النموذج؟

1. تحويل التعليم إلى تعليم منتج

بربط الجامعات والمدارس الفنية بالمصانع والمشروعات القومية لتخريج شباب قادر على العمل والإبداع، وليس فقط الحصول على شهادة.

2. تحفيز الصناعات الوطنية الصغيرة والمتوسطة

دعم المشروعات الإنتاجية التي تستبدل الاستيراد بمنتجات مصرية تنافس في السوق المحلي والعالمي.

3. التركيز على التصدير والتكنولوجيا

توجيه الاستثمارات نحو الصناعات ذات القيمة المضافة العالية مثل الإلكترونيات، والدواء، والطاقة المتجددة، والزراعة الذكية.

4. خلق بيئة استثمار مستقرة وبيروقراطية أقل

تسهيل تراخيص الاستثمار، وتسريع الإجراءات، وتقديم حوافز حقيقية للمستثمرين المحليين والأجانب.

5. استراتيجية وطنية طويلة المدى

وضع خطة اقتصادية تمتد لعشرين سنة، تركز على الإنتاج والتصدير والتعليم، مع متابعة دقيقة للنتائج كل عام.

 

من وجهة نظري، النموذج الكوري الجنوبي هو الأقرب للتطبيق في مصر، لأن البلدين تشتركان في خصائص مهمة: كثافة سكانية، موارد محدودة، ورغبة في التقدم.

لكن الفرق إن كوريا استثمرت في الإنسان أولًا، وهذه النقطة لازم نبدأ منها.

لو مصر ركزت على التعليم والإنتاج والتصدير، هتقدر تحقق طفرة اقتصادية حقيقية في أقل من عقد من الزمن.

 

 

 

خاتمة

 

يبقى السؤال مطروحًا: إلى أين يتجه اقتصاد مصر؟

الإجابة تتوقف على قدرة الدولة على تحقيق توازن دقيق بين الإصلاح المالي والحفاظ على العدالة الاجتماعية، وبين تشجيع الاستثمار وتخفيف الأعباء عن المواطن.

فإذا نجحت في ذلك، فإن مصر ستكون على أعتاب مرحلة جديدة من النمو المستدام والاستقرار الاقتصادي الحقيقي.

 

من وجهة نظري، مصر عندها كل مقومات النجاح، لكن المطلوب حاليا تغيير في طريقة التفكير قبل أي شيء.

لازم نشجع الناس على الإنتاج بدل الاستهلاك، ونتعامل مع المستثمر كـ”شريك في التنمية” ليس مجرد ممول.

المواطن له دور مهم في دعم بلده بالعمل والإنتاج والصبر.

أنا مؤمن إن مصر ممكن تنهض اقتصاديًا خلال سنوات قليلة، لو كل طرف في المنظومة — حكومة، قطاع خاص، ومواطن — اشتغل بإخلاص وتحمل مسؤوليته.

 

ومهما كانت التحديات، تفضل مصر قادرة، وتقدر دايمًا تقوم من جديد.