مقالات 

أ.د أحمد جبر بريك استشاري أمراض القلب والقسطرة يكتب: النكهات الصناعية جاذبية بصريّة أم مخاطر صحية؟

تطورت صناعة الأغدية الحديثة بشكل مذهل خلال العقود الأخيرة، ولم تعد المأكولات التي نشتريها تقتصر على مكوناتها الطبيعية الأصلية؛ بل أصبحت المضافات الغذائية جزءاً أساسياً من سلاسل الإنتاج.

 

وتأتي الألوان والنكهات الصناعية في مقدمة هذه المضافات التي تمنح الأطعمة مظهراً جذاباً وطعماً شهياً يُغري المستهلكين من مختلف الأعمار، وبخاصة الأطفال.

ولكن مع انتشارهما الواسع في الأغذية الفائقة المعالجة، يطرح الكثيرون تساؤلات ملحة: هل هذه المواد آمنة تماماً على الصحة العامة؟ وما هي الحدود التي تتفصل فيها السلامة عن الخطر؟

ما هي الألوان والنكهات الصناعية؟
تُعرف الألوان الصناعية بأنها مركبات كيميائية تُصنع مخبرياً لإضافة لون محدد للأغذية أو استعادة اللون الأصلي الذي قد يضيع أثناء عمليات الإعداد والتصنيع. أما النكهات الصناعية، فهي مركبات كيميائية تُصمم لمحاكاة طعم ورائحة المكونات الطبيعية (مثل الفواكه، أو الفانيليا، أو الشوكولاتة) بتكلفة أقل وثبات أعلى أثناء التخزين.

تخضع هذه المواد لمراقبة دقيقة من منظمات عالمية مثل هيئة الدواء والغذاء الأمريكية (FDA) والهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية (EFSA)، حيث يتم تحديد ما يُعرف بـ الاستهلاك اليومي المقبول (ADI) لضمان بقائها ضمن مستويات آمنة عموماً.

التأثيرات الصحية للألوان الصناعية
رغم الترخيص باستخدام العديد منها، أثارت الألوان الصناعية جدلاً علمياً واسعاً حول تأثيراتها الجانبية:

• ارتباطها بفرط الحركة وتشتت الانتباه: أظهرت العديد من الدراسات السلوكية أن تناول ألوان صناعية معينة (مثل التارترازين والأحمر) قد يزيد من أعراض فرط الحركة ونقص الانتباه لدى نسبة من الأطفال الذين يمتلكون استعداداً ورثياً أو حساسية لهذه المواد.

• الحساسية والتفاعلات الجلدية: يمكن لبعض الصبغات الاصطناعية (مثل Yellow 5) أن تسبب ردود فعل حساسية تشمل الحكة، الشرى (الكزيما)، ورشح الأنف، فضلاً عن تحفيز نوبات الربو لدى الأشخاص الحساسين للأسبيرين.

المخاطر التراكمية : مع أن الجرعات المسموح بها حُددت لضمان الأمان، إلا أن الاستهلاك المتزايد للأطعمة المصنعة يجعل الاستهلاك اليومي الكلي يتجاوز أحياناً الحدود الموصى بها، خاصة لدى الأطفال.

النكهات الصناعية والسلوك الغذائي
في حين تُعتبر أغلب النكهات الصناعية آمنة كيميائياً بالتركيزات المستخدمة، إلا أن خطرها الحقيقي يتجلى في أبعاد أخرى:

1. التعزيز الفائق للطعم (Super-palatability): تُصمم النكهات الصناعية لتجعل الطعام شهياً للغاية بطريقة تتجاوز الأطعمة الطبيعية، مما يُحفز مراكز المكافأة في الدماغ ويزيد من الرغبة في تناول المزيد.

2. تشجيع نمط التغذية غير الصحي: تُستخدم النكهات الصناعية غالباً لإخفاء تدني جودة المكونات الأساسية في الأغذية المصنعة الغنية بالسكر والدهون المتحولة والصوديوم، مما يساهم بشكل غير مباشر في انتشار السمنة وأمراض القلب والسكري.

3. الاضطرابات الهضمية: قد يتفاعل بعض الأفراد بسلبية مع مركبات نكهات معينة، مما يسبب صداعاً خفيفاً أو اضطرابات في الجهاز الهضمي.

خطوات عملية لتقليل المخاطر
للحد من الآثار السلبية المحتملة لهذه المضافات على صحتك وصحة أسرتك، يُنصح باتباع التدابير التالية:

1. قراءة البطاقة الغذائية بذكاء: ابحث في قائمة المكونات عن الألوان الاصطناعية (تُكتب غالباً كأرقام مثل E102, E129 أو بأسماء الصبغات) واستبدل المنتجات التي تحتوي عليها ببدائل طبيعية.

2. الاعتماد على الأغذية الكاملة: اجعل النظام الغذائي يعتمد بشكل أساسي على الفواكه، الخضروات، الحبوب الكاملة، والبروتينات الطازجة التي تخلو تماماً من المضافات.

3. حماية الأطفال: قلل من شراء الحلويات ذات الألوان الصارخة والمشروبات الغازية الملونة، واستبدلها بالعصائر الطبيعية والوجبات الخفيفة المُعدة في المنزل.

يبقى الاعتدال والوعي بالمكونات الغذائية هما الخط الأول للحفاظ على الصحة العامة في ظل انتشار الأطعمة المصنعة.